جاري تحميل الصفحة...

http://iabdelkadir.blogspot.com/

logo of my blog

الجمال عند الفيزيائيين

الجمال عند الفيزيائيين

من المتعارف عليهِ بين الفيزيائيين أن النظرية ينبغي أن تكون جميلة، ولكن ما معنى الجمال في اصطلاح علماء الفيزياء؟ 

الجمال بالنسبة للفيزيائي يعني (التناظر symmetry) ومعنى التناظر هو أن الأشياء لا تغير من هيئتها عند إدارتها بزوايا متعددة مثل الجواهر والبلورات، وهندسيًا مثل المربع وأتمها الشكل الكروي أو الكرة التي لا تتغير مهما أديرت وتعود على الدوام للانطباق مع ذاتها. 

عندما يطبق العلماء التناظر على لغة الفيزياء وهي المعادلات الرياضية، فهم يضعون اشتراطات مشابهة، كأن تبقى المعادلات دون تغيير عندما ينجزون دورانات معينة، والمقصود بالدورانات هي عمليات استبدال المكان بالزمان في المعادلة أو الإلكترونات بالكواركات. فالدورانات في الواقع هي عمليات خلط كما يصفها "ميتشو كاكو" وبذا يصف علماء الفيزياء معادلاتهم بأنها جميلة إن هي امتلكت تناظرًا يبقي على صيغتها الأصلية بعد تطبيق الدورانات .هذا يذكرني ببيت شعر جميل يصلح فيهِ التدوير: "مودتهُ تدوم لكل هول ... وهل كل مودتهِ تدومُ" فلو قرأته بالمقلوب حرفًا حرفًا سوف تحصل على البيت نفسه، أليس هذا جميلًا..؟ 

كان هايزنبرغ أول من اثبت عام 1934 أن معادلة شرودينغر في الجسيمات يمكن أن ُتكتب في صيغة لا تتغير أن جرى تبديل أحد هذين الجسيمين بالآخر. ونجد في نظرية (عبد السلام - واينبرغ) مثالًا آخر، حيث تبقى هذهِ النظرية دون أي تغيير لو أبدلنا الإلكترون بالنيوترينو والنيوترينو بالإلكترون.

يعترف العلماء بأن الطبيعة عصية عن أن تكون لوحة مثالية، لأن الكون لا يتألف جميعهُ من تراكيب تشبه بلورات الثلج الجميلة فقط، أو التناظرات في كل شيء، بل يظهر في الطبيعة انكسارات مخيفة في التناظر، وهو أمر واضح في الصخور المبعثرة مثلًا والأنهار المتعرجة والسحب عديمة الهيئة، وبالمثل يمكن أن يجد العلماء مثل هذهِ الانكسارات للتناظر في الجزئيات الكيميائية العشوائية، وحتى في اخص خصائص الطبيعة وهي الجسيمات ما دون الذرية التي تشكل بنيتها الأساسية. ومهما يكن من أمر (فرب ضارة نافعة) إذ لو لم توجد التناظرات المكسورة لما وجدت الطبيعة نفسها ! فحين حدث الانفجار العظيم كان هناك قوة واحدة عظمى متناظرة، ولولا انكسار التناظر بسبب برودة الكون لما ظهرت القوى التي شكلت المادة فالكون، ولما كنا هنا نتحدث عن هذا الموضوع .. أليس هذا جميلًا..؟ 

أحيانًا أفكر بأن ميل العلماء للبحث عن التناظرات وتجنب الانكسارات، هو نتيجة طبيعية لانكسار التناظر في الطبيعة البشرية نفسها، إنها مُتحيزة لشيء على حساب آخر، فهي فيما يبدو (من حيث هذه الدلالة) غير متناظرة. اذن في الطبيعة والحياة عمومًا ما هو جميل (متناظر قابل للتدوير) وما هو ليس بجميل (مكسور التناظر غير قابل للتدوير)، والسؤال: ما هو الوصف لمجموع الجمال وعدم الجمال أو التناظر وانكسار التناظر معًا؟ 

بالنسبة لي، أنا أصفهُ بالكمال، نعم، أرى أن الكمال هو اجتماع الشيء ولا مثيله، المتناظر والمنكسر التناظر، وليس التنزه عن النقائص أو الانكسارات، بل قد يتضمن مثل هذا التنزه منقصة. فكمال الطبيعة والحياة بما فيها من جمال وقبح، بما فيها من حياة وموت، بما فيها من روعة وبشاعة، وعلى الجملة؛ بكل ما هي عليه الآن.. ولكن البشر ميالون للتحيز.


لتصلك إشعارات ردود هذا الموضوع على البريد الإلكترونى أضف علامة بالمربع بجوار كلمة "إعلامى"


شكرا لتعليقك

جميع المقالات المتواجدة هنا تحت رخصة المشاع الابداعي